تاريخ الأندلس
أصل شبه الجزيرة الإيبرية (الأندلس)
القوط على الوندال في فوبية (vouille) سنة 507 م، نجحوا في توحيد شبة الجزيرة الأيبيرية كلها تحت
سلطانهم، فأخذت أسبانيا تظهر كوحدة سياسية جنسية واحدة للمرة الأولى في التاريخ
على عكس الروم والإغريق، واتخذوا من طليطلة عاصمة لهم لموقعها المتميز عن طركون
عاصمة الرومان.
وعلى
الرغم أن أسبانيا بلد غني مملؤة بالخير، فلا تحتاج إلا لإدارة منظمة حتى يفيض هذا
الخير على الأهالي والحكام، ولكن كان النظام الإداري القوطي ما هو إلا وسيلة
لتحقيق جميع أنواع الإغتصاب والإبتزاز، فساءت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية
لسيطرة الارستقراطية الرومانية وتحويل الأهالي لعبيد فعم البلاد عصر من الفوضى مثل
سائر بلاد أوروبا وإنهيار قواعد المجتمع الروماني الثابت القديم.
وعلى
الرغم من كل ذلك فقد صور كتاب الأسبان مجتمعهم تحت القوط بانه نهضة أسبانية مسيحية
وبالغوا في ذلك حتى يؤكد للقارئ أن النهضة الإسلامية لم تكن تأتي بجديد، بل هي
نتيجة بداية الازدهار من أيام القوط بل إنهم وصلوا أسبانيا فقد كانت على وصول
للفرنجة لولا الفتح العربي لها، ولكن لا تقارن حال هذه البلاد وما وصلت إليه في
الإسلام وهذا ما مال إليه المؤرخون المنصفون والأسبان، فكيف يخلقوا القوط مجتمع
جديد إذ لم سكن لهم هو نظام إجتماعي مقبول قبل دخول أسبانيا، ولا ننكر أنهم أنعشوا
المجتمع الروماني بعناصر جديدة نشطة ولكنهم كانوا أقل إنسانية من هؤلاء الوندال،
فلم تكن أسبانيا خيراً كلها كما زعم الأسبان ولا شراً كلها كما زعم الفرنسيين
ولكنها ضعفت جوانبها فغدت إمتداداً للعصر الروماني المضمحل.
لقد
كان الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإبيرية أمراً طبيعياً حسب خطة المسلمين وهي
تأمين حدودهم ونشر دعوتهم، ولحمل هذا المد الإسلامي عناصر القوة الذاتية أدي
لإجتيازهم للغرب ووصلوا للأندلس، وتعددت الدوافع من إعلاء كلمة الله ونقل الرسالة
السماوية وتحرير العرب أينما وجدوا وبقية الشعوب من نبر الجهل والثنية ونشر قيم
ومثل الحضارة الإنسانية، ونجاح العرب في كسب البربر واعتمدوا عليهم في فتح
الأندلس، كما أرجع البعض الدوافع لدوافع مادية لكسب الغنائم من وراء الفتح والتوسع
ولكنها كانت تحصيل حاصل، اما من ناحية المصلحة فمالت إلى الإنتقام الشخصي ليوليان
الذي تعدي على ابنتة لوزريق، وأرجع البعض أيضاً لإتصال أولاد غطيشة بالعرب.
لم
يخرج قرار الفتح عشوائياً ولم يكن مغامرة حربية إرتجالية، بل كان فتحاً منظماً
مدروساً، سار على خطة ذكية وضعها قائد الفتح طارق بن زياد البربري، بعد أن خاضها
ظريف بن زرعة بحملة استطلاعية.
تم
فتح الأندلس خلال أربع سنوات (92/96هـ) بثلاثين ألف مقاتل أغلبهم برابرة وعلى
رأسهم قائد بربري وما حمله الإسلام من عقيدة وما صنعة من معجزات فسهل على هؤلاء
الفتح حتى وصفه بعض الأسبان بالنزهة العسكرية، وإن كان ولكن تبقي التضحيات كثيرة
والجهد كبير والدروب شاقة والمناخ شديد والجو غريب والأرض عنيفة، كذلك اتبع موسى
بن نصير سياسة تعميق الإسلام وإقراره بتثبيته في نفوس الناس فغدت الأندلس دار جهاد
كما هي محضر حضارة علياء رائقة خضراء يانعة أكلها دائم وظلها ممدود، وخلال القرن
الأول الهجري فتح المسلمون بلاد العرب كلها والعراق وفارس والشام ومصر وأفريقية
وآسيا الصغرى، ولم يتكلفوا قدر ما كلفوا في آبيريا، ففي واقعة برباط دفع المسلمون
ثلاثة آلاف شهيداً، ولم تخرج الخلافة درهماً واحداً في تجهيز حملة الفتح ولم تغنم
أيضاً شيئاً مادياً حتى بعد الفتح، لم ترسل الأندلس جباية خاصة بها رغم غناها
لخوفها من عدم نظامية الجيش بالأعطيات وغير ذلك فتركوا أمورها، فلم تكن على تبعية
تامة لها كمصر ولا قطر مستقل تمام الإستقلال فكان لها وضع خاص.
خلال
السنوات التي أعقبت الفتح شهدت بلاد الأندلس هجرات عربية مسالمة ممن قدموا مع موسى
بن نصير (18 ألف) ومع الطلائع بعد ذلك بلج بن بشير القشيري، واحتلوا معظم سهول
البربر، وكذلك شهدت هجرات بربرية، وكذلك انفردت الأندلس بهذا الوضع الغريب فلم
يظهر ديوان ولا مقادير للجزية رغم أنها ظلت تابعة للخلافة نيف وأربعين سنة.
قال
الأستاذ لين بول "أمننا العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة العصور الوسطى،
بينما كانت أوروبا تتخبط في ظلمات الجهل، فلم يكن سوى المسلمين من أقام بها منارات
العلم والمدنية، وقال المستشرق الأسباني جاينجوس "لقد سطعت في أسبانيا أول
أشعة لهذه المدنية، التي نثرت ضوئها فيما بعد على جميع الأمم النصرانية كما أشار
كثير من العلماء الأسبان بإعتدال السياسة الإسلامية وأثار مسلكها المستنير.
غير
أن هذه الدولة الجديدة التي أنشأها الإسلام في أسبانيا، كانت تحمل منذ البداية
جرثومة الخلاف الخطر، وكان هذا المجتمع الجديد الذي جمع الإسلام شمله وفرج بين
عناصره، يجيش بمختلف الأهواء والنزعات وتمزقه فوارق الجنس والعصبية، كانت القبائل
العربية ما تزال تضطرم بمنافساتها القديمة الخالدة، كما أبغض البربر قاداتهم من
العرب لإستئثارهم بالسلطة والمغانم الكبيرة وإحتلالهم لمعظم القواعد والوديان
الخصبة وكثيراً ما فعلوا لواء العصيان والثورة.
استغرقت
فترة عصر الولاة اثنين وأربعين عاماً توالى على الأندلس عشرون والياً، كان
الاضطراب الحكم في أفريقية أثره على اضطراب الحكم في الأندلس وأثر ثورة البربر في
المغرب وترحيلهم في الضفة الأخري من البحر، فبعد أن استقر لهم الملك وهدأت موجة
الفتح عادت إليهم الشحناء وتحركت فيهم عقارب الحسد من الغيرة والتفريق، التي كانت
استلتها جلبة الحروب وغنائم الفاكين، فانطلقت بعد احتباسها منذرة بالشر والدمار،
فإن روح العنصرية القبلية انتشر في كل أجزاء المملكة التي أخضعوها وتأثر به
الخلفاء في دمشق، فكان تعيين الولاة يتبع هذه النزعة القبلية وكان اختلاف القبائل
وتعصبها بالأندلس داعية لكثير من الفوضى واضطراب الأمن والنظام في أثناء الخمسين
سنة الأولى من حكم العرب، حينما كان حاكم أفريقية أو الخليفة نفسه بعين أمير
الأندلس فكان هؤلاء الأمراء يبقون في مناصبهم أو يعزلون أو يقتلون تبعاً لميول بعض
العشائر والقبائل، الذين كانوا يعارضون مرة أخرى أن يكون الأمير مدنياً ومرة أن
يكون قيسياً وثالثة أن يكون يمنياً، حتى غابت السلطة الفعلية عن الأندلس فزكاها
نار الفتنة وسقوط الخلافة الأموية.
استنفذت
ثورات البربر في المغرب قوى الخلافة ومواردها، وهدد الخلاف بين العرب والبربر في
الأندلس مصيرها، واتخذ العرب من أنفسهم القدوة السيئة في تفرق الكلمة والرأي،
وللمعارك الخالدة بين مضر وحمير أثر تمزق أوصال الوحدة العربية وتقوض دعائم
العصبية التي دفعت يوم اتحادها سيل الفتوح الإسلامية لأقصى المشرق والمغرب.
سيطرة
الخلافة الأموية على دولة عظيمة مترامية الأطراف ولكن سلطانها الحقيقي كان محدود
داخل تلك الإمبراطورية، رغم ما بدت عليه من أوج القوة والفتوحات إذ بها تنهار
فجأة، إذ تعددت عوامل سقوطها من عوامل هدم خفية ومعنوية ونفسية التي مثلت هذه
الخصومة الخطرة ظمأ الإنتقام كعماد للدعوة الشيعية التي شقت طريقها بقتل على ثم
ابنه الحسين ثم توطدت بأوائل القرن الثاني للهجرة وظهروا في العراق وخراسان، ودبرت
ثورات وحركات أخمدت بسيل من الدماء الذي ذكي ظمأ الإنتقام رغم أن المعركة لم تكن
متكافئة مادياً ولا تنظيمياً ولكن غلبهم الشيعة بالروح المعنوية.
مصرع
الدولة الأموية:.
كانت
الدولة الأموية دولة الإمبراطورية الإسلامية الكبري التي وصلت إلى ذروتها ضخامتها
وقوتها، متماسكة الأجزاء وثيقة العرى موحدة السلطان والإدارة، ولكنها لم تنعم طويلاً
فلم تأت فاتحة القرن الثاني للهجرة إلا وقد هرعت سراعاً وأدركها الإنحلال والوهن
وتصدع صرح وحدتها الباذخ، واختتم ثبت الخلفاء الأقوياء بالوليد وأخيه سليمان ثم
بأخيهما هشام بن عبد الملك وبعده عملت عوامل الإنحلال والتفكك عملها، فلم يمضي وقت
حتى خرجت الأندلس من حظيرة الإمبراطورية ولم يبقي عليها سوى سلطة اسمية.
اضطرب
باقي الولايات الشرقية النائية، فأخذ ملك بني أمية يهتز فوق بركان مضطرم من
الدعوات الخصمية التي عملت نصف قرن في الخلفاء، ثم لاح لها فرصة الإنفجار، وللظروف
الدينية والمعنوية والسياسية للجزيرة العربية ولنتائج المعارك التي نشبت من مختلف
العناصر والقوى التي اشتركت في بنائها. لقد إستطاع بنو امية أن ينتزعوا الملك
والخلافة من خلال معركة اعتبرها الكثير من الأمة العربية خروجاً على آل البيت ذوى
الحق الشرعي للخلافة بوسائل لم تكن دائماً نزيهة ولا عادلة، وما أثر على نفوس
الأمة مما ارتكبوه من أحداث المعارك والفتك بآل البيت كمقتل الحسين بن على 61هـ،
واقتحام مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم واستباحة الحرم المقدس، وارتكاب اشنع
صنوف الكبائر والإثم حتى حاصروا مكة المكرمة وخربوا البيت الحرام بالمنجنيق، مما
ألقت تلك الأحداث العداء لأصحاب البيت من التشهير بالسياسة الأموية فأصابوا هيبة
الخلافة بصدع لم تنهض بعده، فاستغل الشيعة هذه العاطفة لبث دعوتهم وحشد العناصر
الناقمة في صفوفهم، ساعدها اضطرام العصبية والخلافات القومية الذي عمل على تمزيق
روابط هذه الإمبراطورية.
